النحو التوليدي التحويلي عند تشومسكي لبحث موجه لطلبة اللغة والأدب العربي

الموضوع في 'دروس اللغة العربية' بواسطة الساهر, بتاريخ ‏2 نوفمبر 2013.

مشاركة هذه الصفحة

  1. الساهر

    الساهر مشرف مواقع الإدارة العامة

    المنهج التوليدي التحويلي
    ( التشومسكي )إعداد : زكريا كامل راجح مقدادي
    الثلاثاء : بتاريخ :26/7/2011
    المنهج التوليدي التحويلي ( التشومسكي )


    المقدمة

    حاز المنهج التوليدي التحويلي على انتشار واسع بين المدارس اللغوية، وتصدر مكانة عالية بين المدارس الحديثة؛ كونه يهتم بالجانب التحليلي والتفسيرى بدلًا من الجانب الوصفي، في محاولة جدية لتقديم صورة واضحة شمولية عن بنية اللغة وميزاتها الإنسانية، وعلاقتها بالعقل والفكر الإنساني .
    وهذه دراسة يحاول فيها الباحث إبراز تصور شمولي في المنهج التوليدي التحويلي، بدءًا بتعريف المصطلح، ومرورًا بحياة رائدها (تشومسكي)، ثم الأصول التي نهل منها واستفاد منها، ثم أبرز المراحل التي مرّت بها النظرية التوليدية التحويلية، تليها أبرز الاعتبارات التي يقوم عليها المنهج، مع التركيز على الأسس التي يقوم عليها، ثم الانتقال إلى المنحى التطبيقي للنظرية عن طريق الطرق الثلاث التي استخدمها تشومسكي في تحليل اللغة، وختامًا مع أبرز النتائج التي توصل إليها الباحث .


    التمهيد

    أولًا : مدخل إلى مصطلح التوليدية والتحويلية :

    وإن كان اللفظان ( التوليدية والتحويلية ) مرتبطين ارتباطًا وثيقًا بحيث لا ينفصلان إلّا إذا اقتضت الحاجة إلى ذلك، فإننا سنقدم تعريفًا موجزًا للفظين بطريقة منفصلة زيادة في التوضيح :
    فالقواعد التوليدية : هي القواعد التي تولد الجمل المقبولة في اللغة، في حين أنها لا تولد جملًا غير مقبولة في اللغة ؛ لأن اللغة على حد تعبير تشومسكي تتكون من " ( مجموعة ـ متناهية أو غير متناهية ـ من الجمل )، كل جملة طولها محدود ومكونة من مجموعة متناهية من العناصر، وكل اللغات الطبيعية في شكلها المنطوق أو المكتوب تتوافق مع هذا التعريف؛ وذلك لأن كل لغة طبيعية تتكون من مجموعة محدودة من الأصوات ( أو مجموعة محدودة من الرموز الكتابية ) ، مع ذلك فإنها تتنتج أو تولد جملًا لا نهاية لها . " .
    فالتوليدية إذن نسبة إلى توليد الجمل أو إنتاجها بكم كبير وبشكل غير متناهٍ، مع التنويه إلى أنها مرتبطة في أساسها بالجانب العقلي لإنتاج الجمل أو ما يسمى بالبنية العميقة للغة .
    أما القواعد التحويلية : فهي القواعد التي تحول البنية العميقة للغة إلى البنية السطحية بوساطة عناصر التحويل المختلفة : كالحذف، والزيادة، وتغيير الترتيب .
    بمعنى أنها تنتقل من المرحلة العقلية إلى المرحلة الملموسة كتابيًا أو نطقًيا .
    أما سبب تسميتها بالتشومسكية : فنسبة إلى الباحث الأمريكي أفرام نوعم تشومسكي رائد النظرية التوليدية التحويلة في اللغة . وعليه لا بد لنا من التعريف برائد هذه النظرية الحديثة في اللغة مع التركيز على المؤثرات التي ساعدت تشومسكي في الوصول إلى إنتاج منهج لغوي مستقل إلى حد ما .

    وقفة في حياة تشومسكي :
    " ولد أفرام نوعم تشومسكي في فيلادلفيا 7 ديسمبر 1918م، ودرس علم اللغة والرياضة والفلسفة في جامعة بنسلفانيا . وقد تعلّم شيئًا من مبادئ علم اللغة التاريخي من أبيه الذي كان أستاذًا للعبرية، وأعد رسالته للماجستير في العبرية الحديثة، ثم حصل على الدكتوراة من الجامعة نفسها.
    وكان تشومسكي مستغرقًا في النشاط السياسي منذ صباه، وتكونت آراؤه وسط ما يشير إليه هو باسم ( الجامعة اليهودية الراديكالية في نيويورك ) ، وهو أميل إلى الفكر الاشتراكي .
    ولعل نشاطه السياسي هذا هو الذي قربه من أستاذه هاريس أستاذ علم اللغة بجامعة بنسلفانيا والذي وجه اهتمامه إلى هذا الميدان . "


    فقد كان لأستاذه الكبير هاريس الفضل الأوفر في توجيه جهوده نحو السياسة، والتي أفادته شهرة واسعة، بالإضافة إلى أنها لاتنفصل عن الأصول الفكرية التي أقام عليها منهجه اللغوي الذي أعطاه أيضًا شهرة أوسع من سابقتها .
    وعليه لا بد لنا أن نورد بعض أصول تشومسكي للنظرية التوليدية التحويلية .

    أصول النظرية التوليدية التحويلية :

    من الواضح أن تشومسكي أقام هذه النظرية مرتكزًا على أسس عقلية منذ أن نشر كتابه
    ( التراكيب النحوية سنة 1957م)، حيث " سعى إلى إقامة نظرية عامة للغة، تصدر عن اتجاه عقلي؛ لأن اللغة عنده عمل عقلي يتميز به الإنسان عن الحيوان، وقد تأثر في ذلك بما جاء عن الفيلسوف الفرنسي ( رينيه ديكارت) في القرن السابع عشر الذي أصّل فكرة (الطابع الإبداعي والخلّاق في اللغة)، وذلك عند تفريقه بين الإنسان والحيوان على هذا الأساس، يقول ديكارت :
    ( لا يوجد كما هو جدير بالملاحظة أي إنسان مهما بلغت درجة بلادته أو غباوته إلّا ويستطيع أن يركب كلمات متنوعة في تركيب واحد، وأن يؤلف خطابًا يعبر من خلاله عن أفكاره، وعلى العكس من ذلك لا يوجد أي حيوان آخر يقوم بذلك ) " .


    إن نظرة تشومسكي العقلية للغة وأنها خاصة بالجنس البشري فحسب، تسير بنا إلى نقطة مهمة وهي قضية اكتساب اللغة وتعلمها لكن تشومسكي لا يسلّم بالنظرية السلوكية في اكتساب اللغة، حيث يرى " أن النظرية السلوكية للاكتساب غير قادرة على تفسير هذه القضية، وتقف عاجزة عن تفسير هذه القدرة التي تمكّن الطفل من بناء جمل نحوية، ويفترض أن الإنسان قد وهب ملكة لغوية أو قدرة لغوية، وأن الطفل يولد مزودًا بقدرة دقيقة من الأصول النحوية الكلية التي تمكنه من التعرّف على ما يسمعه من كلام يتردد من حوله، وهذه الأصول اللغوية الكلية هي جزء مما نسميه العقل، وقد ظهرت هذه الفكرة واضحة جلية في كتاباته الفلسفية وبخاصة في كتبه ( اللغة والعقل، و علم اللغة الديكارتي، و ملامح النظرية النحوية . "

    ربما لا يكون تشومسكي قد أصاب في كل انتقاداته للنظرية السلوكية في اكتساب اللغة وتعلمها، وربما يكون قد غالى في مسألة الملكة اللغوية والقدرة اللغوية ولا سيما لدى الطفل الذي لم يتسنَّ له سماع اللغة بأصواتها ونحوها السليم من والديه أو أشخاص قبله، فلو أمكن أن يوضع طفل في معزل عن المتكلمين ولم يسمع أي لغة قط فأنّى له أن ينطق لغة متكاملة بمفرده ؟ .

    وكما تأثر تشومسكي بأفكار ديكارت فقد تأثر كذلك بأفكار الفيلسوف الألماني ( همبلوت) صاحب فكرة الجانب الخلّاق في اللغة،حيث يرتبط الجانب الخلاق بالعقل والذي يمتلكه الإنسان فحسب، على عكس العمل الحيواني الذي نعته بالآلي ، و بحيث يرى همبلوت أن اللغة عمل العقل
    فعليه لا بد أن تصدر من الداخل وليس عن السطح، وأن هذه اللغة ذات شكلين : داخلي


    وخارجي: فالشكل الداخلي عضوي متلاحم وينتج عما يسمى بالبنية العميقة للغة، وهذه النظرة نابعة من نظرته إلى الطبيعة الإنسانية والحرية الفردية، فالطبيعة الإنسانية ليست خاضعة للعوامل الخارجية إنما تتطور من داخلها، وهذا التحرر من العوامل الخارجية يقود إلى العمل الخلّاق الذي يصدر بدوره من الداخل أي من البنية العمية للغة .

    وكما كانت الآراء الفلسفية والعقلانية هي المصدر الذي ارتكز عليه تشومسكي، فإنه أيضًا قد تأثر بالنحو التقليدي؛ لأنه في رأيه أكثر اقترابًا من الطبيعة الإنسانية في دراسة اللغة، وكما لا شكّ فيه أيضًا أنه قد استفاد من بعض أفكار المدرسة البنيوية، ويرى . د . تمام حسان : أن النحو التحويلي قد انسدل من النحو التوزيعي، مع التنويه إلى أن تشومسكي قد وازن بين تعاليم بلومفيلد، وهمبلوت، ودي سوسير، ومنطقية بوريال، والمنطق الرمزي، وعلم النفس، منتهيًا بالعقلانية في فهم اللغة .

    وربما يكون تشومسكي قد تأثر بعلماء العربية ولا سيما بربط اللغة بالجانب العقلي، فإن من أبرز علماء العربية الذين ربطوا اللغة بالجانب العقلي ابن جني وعبد القاهر الجرجاني والزمخشري، لكن أبرزهم والذي اهتم بظاهرة " القدرة اللغوية وأنها ملكة عقلية لا دراسة الأداء اللغوي هو عبد القاهر الجرجاني في نظرية النظم المتمثلة في العلاقات المعنوية بين الأصناف النحوية، فهو يرى
    كما يرى سيبويه أيضًا بأنه ليس كل كلام منطوق مقبول، فهناك منطق لغوي هو الذي يتحكّم،



    وليس النسج حسب هوى كل متكلّم، وأنّ اللغة توليد منطقي خاضع للجماعة الناطقة به وتخرج كل الأنماط الجميلة على الصورة التأليفية الجديدة، ونحن لا نلمس سوى المظهر المادي للعملية، أما الجانب العقلي فهو داخل الصندوق . "
    فلو حملنا فكرة تأثر تشومسكي بعلماء العربية محمل الجد لوجدناها ممكنة جدًّا نظرًا لاتساع حركة الترجمة قديمًا وحديثًا، عدا عن أنّ تشومسكي نفسه قد أقرّ ـ في جواب بعثه إلى الدكتورة معصومة عبد الصاحب ردًّا على رسالتها التي بعثتها له تسأله فيها عن بعض المسائل المشتركة بين اللغة العربية والمنهج التوليدي الأمريكي ـ أنه قد درس" نحو سيبويه في مقرر متقدم في اللغة العربية في مدرسة للدراسات العليا بجامعة بنسلفانيا مع الدكتور فرانز روزنثال، الذي انتقل إلى جامعة ييل . " وعليه فنحن لا نعدم وسيلة لأن نكون واثقين من أن تشومسكي قد تأثر بعلماء العربية أمثال سيبويه على حد تعبيره .

    المراحل التي مرت بها النظرية التوليدية التحويلية :

    لم تظهر ملامح النظرية التوليدية التحويلية على السطح دفعة واحدة، إنما مرت بمراحل عديدة
    " بدأت بمرحلة التراكيب النحوية التي ظهرت سنة 1956م مع ظهور أول كتاب

    .

    لتشومسكي بعنوان ( التراكيب النحوية ) وقد تضمنت هذه المرحلة ثلاثة نماذج رئيسة وهي :
    1 . نموذج القواعد النحوية المحدودة .
    2 . نموذج بنية العبارة .
    3 . نموذج القواعد التحويلية .
    والمرحلة النموذجية : التي يمثلها كتاب ( مظاهر النظرية النحوية ) الذي ظهر سنة 1965م، وقد استمرت هذه المرحلة التي أولت المكون الدلالي عناية واهتمامًا إلى سنة 1970م، والمرحلة التالية التي تمثل امتداد النظرية النموذجية، وقد تركزت هذه المرحلة على معالجة المصاعب الناجمة عن فكرة ( النحو العالمي ) فيما بعد سنة 1970 م . "

    إن المدقق لهذه المراحل الثلاث يلحظ مقدار الجهد الذي بذله تشومسكي لإيصال منهجه إلى المهتمين بأحسن صورة ممكنة لتعم الفائدة، ويلحظ الزمن الكبير نسبيًا الذي مرت به نظريته حتى وصلت إلى طور الكمال الذي يرتضيه لنفسه وللعلم والمختصين من بعده .



    يقوم المنهج التحويلي على عدة اعتبارات وهي :

    1 . الجملة هي الحد الأدنى التي تحمل معنى يحسن السكوت عليه، وتسمى الجملة النواة أو الأصل أو الخام .
    2 . يطرأ على الجملة التوليدية عنصر من عناصر التحويل فتصبح تحويلية .
    3 . عناصر التحويل :
    أ ). الحركة الإعرابية . كأن تقول : ضرب عليٌّ محمّدًا = ضرب عليًّا محمّدٌ .
    ب ) . قواعد الحذف : وتكون بالاستغناء عن كلمة أو أكثر من الجملة شرط أن تؤدي معنى مفيدًا لا يختلف كثيرًا في ظاهره عن المعنى الأصلي قبل الحذف، كأن تقول في الرجل الغني يساعد الرجل الفقير ( الغني يساعد الفقير )
    جـ ) . قواعد التعويض : كأن تحل كلمة محل أخرى سواء كانت اسمًا ظاهرًا محل اسم ظاهر، أو ضميرًا محل ضمير أو اسم ... إخ كأن تقول : إذا درس محمد جيدًا فإن محمدًا سوف ينجح
    فتصبح : إذا درس محمد جيدًا فإنه سوف ينجح .


    د ) . قواعد الزيادة : وتظهر بإضافة كلمة أو كلمات جديدة إلى الجملة (15) مثل : أكلت التفاحة = أكل علي التفاحة .
    هـ ) . قواعد إعادة الترتيب : وذلك بأن تتبادل الكلمات مواقعها في الجمل(16) مثل :
    تفقد رئيس الجامعة كلية الآداب = رئيس الجامعة تفقد كلية الآداب .

    وعناصر التحويل هذه تنقل الجملة من توليدية فيها معنى سطحي إلى تحويلية فيها معنى عميق .

    الأسس التي يقوم عليها النحو التوليدي التحويلي :

    1. البنية السطحية : وهي ما يكون ملموسًا على السطح من جمل منطوقة أو مكتوبة، بحيث تحول العمليات العقلية في البنية العميقة إلى بنية سطحية ملموسة
    2 . البنية العميقة : ويمكن أن تفهم من سابقتها وزيادة في التعريف : هي العمليات العقلية للتفكير في الجمل قبل تحويلها لبنى سطحية، بالإضافة إلى " المعنى الذي يفهمه القارئ والسامع عندما يسمع قراءة البنية السطحية ومثال ذلك قولك : ضربت زيدًا جالسًا، فيمكن أن نفهم من الجملة السابقة معنيين هما : ... الحال من الفاعل، .... والحال من المفعول ."


    وكما ذكرنا سابقًا فإن تشومسكي قد اهتم بالبنية العميقة على حساب البنية السطحية ؛ذلك لأن مبدأ النظرية التشومسكية كما ذكرنا سابقًا يقوم على الجانب العقلي للغة .

    3 . الكفاءة : " وهي قدرة المتكلم بلسان لغته الأم على استعمال نظام اللغة التي تمكنه من تفسير إنتاج الجمل، وعلى قبوله جملًا معينة بأنها نحوية ورفضه لجمل أخرى لأنها غير نحوية ."
    ولقد بسطنا القول في شأن الكفاءة اللغوية والقدرة اللغوية في موضع سابق .

    4 . الأداء : وهو اصطلاح " يشير إلى أمثلة راجعة لاستعمال المتكلم للغة وليس من الضروري أن يكون الأداء متمشيًا مع الكفاءة لأننا كثيرًا ما ننتج جملًا قد نعدها غير مقبولة إذا نظرنا إليها في ضوء كفاءتنا ـ فقد نبدأ بداية خاطئة، فنبدأ الجملة بطريقة ونختمها بطريقة أخرى ـ كل هذا جزء من الأداء ، ولكن الكفاءة هي النظام النموذجي الذي تعتمد عليه مهارتنا اللغوية .

    والناظر في هذه الأسس الأربعة السابقة يدرك أن تشومسكي كسابقيه قد أقام نظريته على الازدواجيات كما في : اللغة والكلام، والبنية العميقة والبنية السطحية، الكفاءة والأداء ، الجانب العقلي والجانب الآلي ... إلخ .


    طرق التحليل في النظرية التوليدية التحويلية : ( المنحى التطبيقي)
    الطريقة الأولى : وهي تحليل الجمل إلى عناصرها اللغوية، ولا بد لنا من بسط القول في هذه الطريقة.
    ولتفصيل هذه الطريق يمكننا الاستعانة بمثال توضيحي كما أراده تشومسكي وفقًا لقواعد اللغة الأنجليزية فنقول مثلًا في الكلمات : جولز، و تشولي، و يحب : أن احتمالات تقاليب هذه الكلما ستة احتمالات، بينما لا تقبل اللغة الإنجليزية وفقًا لقواعدها سوى احتمالين همما :
    1 . جولز يحب تشولي , 2 . تشولي تحب جولز
    ووفقًا لهذين الاحتمالين المقبولين نحويًّا في قواعد اللغة الإنجليزية فأن الجملة حسب تشومسكي ستعاد كتابتها إلى : اسم مركب فعلي
    والمركب الفعلي تعاد كتابته على : فعل اسم
    وفي المثال السابق فإن الاسم تعاد كتابته على : جولز ، و تشولي . والفعل تعاد كتابته على : يحب
    كما في الرسم التشجيري الآتي :
    الجملة
    اسم
    جولز مركب فعلي
    فعل اسم
    يحب تشولي

    ووفقًا لقواعد اللغة العربية يمكننا تطبيق المثال الآتي : ( شرب الطفل العصير ) حسب الخطوات الآتية :
    1. الجملة = مركب فعلي مركب اسمي .
    2 . المركب الفعلي = فعل مركب اسمي .
    3 . المركب الاسمي = أداة اسم .
    4 . أداة = ال
    5 . الاسم = طفل، عصير
    6 . الفعل = شرب
    " فالقواعد من ( 1 _ 3 ) قواعد تفريعية، تفرع المستويات اللغوية الدنيا من المستويات العليا، والقواعد من (4 -6 ) قواعد معجمية تقوم بتزويد المستويات اللغوية بالمفردات المعجمية . "
    ويكون الرسم التشجيري لهذا التحليل كالآتي :
    شرب الطفل العصير
    مركب فعلي مركب اسمي
    فعل مركب اسمي أداة اسم
    أداة اسم
    شرب الـ طفل الـ عصير


    الطريقة الثانية : وهذه الطريقة لا تختلف كثيرًا طرائق التوزيعيين، لأنها عبارة عن آلة أو أداة تعمل على توليد عدد غير محدود من الجمل من خلال عدد محدود من المورفيمات، وذلك بأن تقتضي كل كلمة كلمة أخرى تليها . فنقول مثلًا : (إن الطالبين يدرسان)، ونقول أيضًا : (إن الطالبين المجتهدين الصادقين يدرسان) .
    ونمثل لذلك بالرسم الآتي :


    = جملة


    " وبعد أن اختبر تشومسكي هذه الطريقة وجدها غير صالحة للتحليل الغوي وذلك لسببين، أحدهما : أن ما يتولد عن هذه الطريقة من الجمل محدود بينما اللغة تقدم جملًا لا نهاية لها، وثانيهما: أن هذه الطريقة قد تولد جملًا غير مقبولة أو صحيحة نحويًّا "
    وقد بسطنا القول سابقًا عن رفض تشومسكي لهذين النوعين من الجمل .




    الطريق الثالثة : ويطلق عليها ( النحو التوليدي التحويلي)، وتتمثل في تحليل العمليات المنطقية العقلية في البنية العميقة وصولًا إلى البنية السطحية قصد الوصول إلى الحدس عند صاحب اللغة؛ لأن دراسة الجملة في ضوء القواعد التوليدية لا تتوقف عند إدراكنا لما يجري في الذهن فحسب إنما لا بد لنا من التمتع بجانب حدسي يمكننا من إدراك العمليات الذهنية بالإضافة إلى أخذ الأصوات والمباني الصرفية والنحوية في الحسبان وحملها محمل الجدية في التحليل اللغوي بالنسبة لهذه الطريقة .
    ونظرًا لكثافة المادة المتوافرة في دراسة الطريقة الثالثة في التحليل عند تشومسكي ( الطريقة التي تتولد بها القواعد في البنية العميقة، ثم تتحول إلى بنية سطحية ) فسنكتفي بالإشارة إلى هذه الطريقة عن طريق الرسم التوضيحي الآتي :






    وتختلف هذه الطريق عن الطريقة الأولى في أنها أصبحت أوسع وتحوي رموزًا أكثر وتؤدي معرفة


    أوسع وأكبر أي أنها الطور التطويري المكتمل النضوج قياسًا بالطريقة الأولى .
    وقبل الختام لا بد لنا أن نقدم رسمًا توضيحيًّا يسهل على الدارس فهم هذه الطريقة في التحليل مستعينين بالمثال الآتي : ( قرأ الأستاذ الدرس )
    قرأ الأستاذ الدرس
    مركب فعلي ( قرأ الأستاذ) مركب اسمي ( الدرس)
    مركب فعلي مركب اسمي
    قرأ الأستاذ

    فعل زمن أداة اسم أداة اسم
    قرأ تام ال أستاذ ال درس







    الخاتمة :

    خلص البحث في ضوء ما سبق إلى النتائج الآتية :
    1. أن الصلة وثيقة بين أفكار تشومسكي السياسية وآرائه الإنسانية العقلية .
    2 . أن تشومسكي لم يأت بالمنهج وليد الصدفة إنما نتيجة للاطلاع الكبير على المناهج اللغوية قبله وآراء العلماء المهمة، كما أنه قد اطلع وتأثر بعلوم اللغة العربية ولا سيما دراسته لنحو سيبويه على حد تعبيره .
    3 . أنه ليس بالضرورة التسليم بكل جوانب النظرية التوليدية وحملها على أنها كتاب مقدس في دراسة اللغة مع التنويه إلى تقدير جهود العلماء كتشومسكي وأمثاله .
    4 . لا يمكن لنا اتباع تشومسكي في الرفض المطلق للمنهج السلوكي .
    5 . ليس بالضرورة أن تكون هذه النظرية صائبة في جميع جوانبها، وخير مثال على ذلك الطريقة الثانية في التحليل عند تشومسكي والتي أظهرت تناقضها مع مبادئ المنهج العامة .
    6 . الإقرار بالموضوعية والأمانة العلمية التي يتحلى بها تشومسكي كما تقدم في النتيجة الخامسة.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    ( ملاحظة مهمة ) هذا البحث هو جهدي الخاص بالرجوع إلى المصادر المهمة ولقد حذفت منها الإحالات كي لا تتعرض جهودي للسرقة ويضيع تعبي هباءً؛ لذا فهي بحمى الرحمن من كل عابث .
    والله ولي التوفيق .
    إعداد : زكريا كامل راجح مقدادي / الثلاثاء / 26/ 7 /2011
    أستاذ في التربية والتعليم
    وطالب في الدراسات العليا في جامعة اليرموك / قسم اللغة العربية وآدابها / تخصص اللغة والنحو .
     
    أعجب بهذه المشاركة جمال
  2. الساهر

    الساهر مشرف مواقع الإدارة العامة

    رد: النحو التوليدي التحويلي عند تشومسكي لبحث موجه لطلبة اللغة والأدب العربي

    في نأنأة الفكر اللساني، أحدث تشومسكي ثورة لغوية هامة – من خلال كتابه الشهير « البنى التركيبية » (1954 م) – أطلق عليها « النظرية التوليدية التحويلية »، والتي شكلت اتجاها لسانيا قائما بذاته؛ من حيث آليات الاشتغال، ومن حيث الجهاز المفهومي الضخم الذي يمتح أسسه ومرجعياته من المعين الثر للعلوم الآتية: (علم النفس، اللسانيات القديمة، النظريات العقلية...).

    من هنا « يبدو إذن، أن التحول الإبستمولوجي في اللسانيات التوليدية لم يقف عند حدود المفاهيم الواصفة فقط، بل طال النظرية اللسانية برمتها؛ وسعى إلى تحديد ما يمكن أن يكون عليه الدرس اللساني »(1)، وهو تحول تمثل في تجاوز الاتجاه الوصفي الطاغي آنذاك؛ خاصة في اللسانيات السوسيرية إلى التفسير الذي يعنى بالكفاية اللغوية باعتبارها نسقا معرفيا.
    إذن في أي سياق برزت هذه النظرية؟ وما هي منطلقاتها الفكرية ومرتكزاتها الإبستمولوجية؟ وما هي مفاهيمها المائزة؟



    1. تحديدات مفهومية:
    حري بنا قبل الانتقال إلى الحديث عن خصوصية المناخ الذي تبلورت فيه النظرية التوليدية التحويلية؛ أن نمهد لذلك بتحديد طبيعة المصطلحات المشكلة لهذه النظرية من مثل: النحو – التوليد – التحويل.
    1-1 النحـو Grammaire:
    استعمل هذا المفهوم في اللسانيات التوليدية للدلالة على معنيين اثنين:
    أ*- معنى عام: يقصد به مجموع قواعد اللغة التي يمتلكها ضمنيا كل فرد متكلم؛ بطريقة لا شعورية؛ « وهي قواعد قائمة في الذهن في صورة ملكة بيولوجية، وعلى اللسانيات أن تعنى بصورنتها وصوغها في إطار نموذج صوري »(2).
    ب*- معنى خاص: يصبح فيه النحو عبارة عن نظرية (Théorie) يقوم الدارس ببنائها؛ أي وصف ومعالجة القواعد التي يتوفر عليها المتكلم.
    وبناء على هذين المعنيين يمكن القول؛ إن النحو كما حدده تشومسكي هو آلية تصف وتفسر في آن واحد؛ يصف حينما يبين طبيعة القواعد الضمنية في ملكة المتكلم – المستمع المثالي، ويفسر عندما يقف على طبيعة النواميس، المتحكمة في لغة معينة.
    وبالتالي يصبح النحو في هذه النظرية (التوليدية) « نظرية صورية استنباطية تنتج الجمل النحوية (ما يدعى بالقدرة التوليدية الضعيفة) وتخصص أوصافا بنيوية لها (القدرة التوليدية القوية) »(3).
    1-2 التوليد Génération:
    يتحدد هذا المفهوم بكونه استنباطا لمستوى لغوي من مستوى لغوي أعلى منه، وفق ما يسميه تشومسكي « قواعد إعادة الكتابة »، إلى أن نصل إلى المستوى الأدنى الذي يؤدي الربط بين عناصره إلى الحصول على جملة قاعدية صحيحة التركيب، أي أن امتلاك المتكلم لهذه القواعد قمين بجعله قادرا على إنتاج عدد لا متناهي من الجمل بواسطة تطبيق هذه القواعد المحدودة. إذ من المتناهي نحصل على اللامتناهي.
    1-3 التحويل Transformation:
    نقصد بالتحويل عملية نقل المستوى العميق لجملة ما إلى مستواها الظاهر، أو نقل خيط في الجملة إلى خيط آخر للكشف عن المعاني الضمنية لهذه الجملة، أو هو إماطة اللثام على البنى العميقة حتى تتكشف البنى السطحية.
    وبناء عليه، نستشف أن تشومسكي قد ربط بين هذه المفاهيم الثلاثة ليسم نظريته اللسانية، التي القصد منها « وصف قدرة المتكلم السامع المثالي المنتمي إلى عشيرة لغوية متجانسة وصفا بنيويا وتفسيرها »(4).

    2. السياق النظري للنحو التوليدي:
    قبل الحديث عن الأسس الفلسفية والعلمية والمنطلقات الإبستمولوجية والمنهجية التي تسند نظرية النحو التوليدي التحويلي، وما تزال تسندها لحد الآن، رغم ما لحقها من تطور في المفاهيم والأساليب والأدوات الإجرائية. لابد من اعتماد التدرج المنطقي الذي يقتضي منا معرفة أهم التصورات والمفاهيم التي كانت سائدة في مجال اللغة؛ خاصة مسألة اكتساب الطفل للغة والسلوك اللغوي عند الإنسان.
    2-1 انتقاد وتجريح الاتجاه البنيوي:
    ارتبط الدرس اللساني لردح طويل من الزمن بعلم الإناسة Anthropologie، نتيجة الاهتمام بوصف اللغات المفقودة (الهنود الحمر)؛ حيث شكل المنهج الوصفي الوسيلة والغاية في ذات الوقت. ولما ظهر تشومسكي رفض هذا المنهج (الوصفي) الذي لا يرفل إلا على السطح اللغوي ولا يغوص في الأعماق؛ محولا الإنسان إلى آلة تحركها نواميس حتمية خاضعة لظروف محددة، مؤكدا – بواسطة بديل جديد – على ضرورة الاهتمام بالجهاز الداخلي للمتكلمين، يقول الدكتور "عبد القادر الفاسي الفهري": « قاد تشومسكي ثورة علمية تقوم على التفكير في اللغة، أفرز مجموعة من الإشكالات التي يجب أن يعتني بها اللغوي وضع منها الاهتمام بالجهاز الداخلي للمتكلمين، عوض الاهتمام بسلوكهم الفعلي »(5).
    2-2 تقويض النظرية السلوكية:
    شكلت السلوكية منذ بداية ثلاثينيات القرن الماضي، المذهب الأكثر انتشارا بآرائه ومفاهيمه الكثيرة، وأساليبه التي أثرت بشكل لافت في مسار الدرس اللساني يومئذ، حيث كان أصحاب هذا الاتجاه (السلوكية) يعتبرون اللغة مجرد « عادات كلامية مكتسبة » خاضعة لقانون الإشراط، تحددها مثيرات الهيئة الخارجية. وبالتالي تصبح اللغة عندهم شكلا من أشكالا السلوك الإنساني، كالأكل والنوم...
    وحسب هذا الاتجاه أيضا، فإن السلوك اللغوي للإنسان شبيه بالسلوك الحيواني، فكلاهما سلوك آلي ميكانيكي إشراطي خاضع لثنائية مثير / استجابة.
    ومن بين أبرز الدراسات السلوكية التي انتقدها تشومسكي نظرية "بلومفيلد" الإشراطية وما تعتمد من مفاهيم: المثير / الاستجابة / التعزيز لتفسير ظاهرة اللغة عند الإنسان، ونظرية "سكينر" من خلال كتابه "السلوك اللغوي" الذي أكد فيه على أن مفهوم التعزيز يشكل الفكرة المركزية في مسألة اكتساب اللغات، إذ تتدخل البيئة المحيطة بالطفل (المدرسة، الأسرة، المجتمع، الشارع...) عن طريق قيامها بعمليات التعزيز المتجلية في إمداد الطفل بالمعطيات اللغوية الخاضعة للإعادة والترديد والمحاكاة ثم التصحيح من أجل تثبيتها وترسيخها في ذهنه (الطفل) بكيفية آلية كعادات كلامية محصلة.
    استنادا على ما أنف، ستخضع كل المقولات السلوكية في مقاربة الظاهرة اللغوية لمراجعة صارمة من طرف تشومسكي، انصبت بالأساس على تقويض الآراء الواردة في كتاب "السلوك اللغوي" (1959) ل "سكينر" والتي ستؤول نتائجها إلى طمس كل منجزات البنيوية السلوكية، والإعلان عن ميلاد مرحلة جديدة من علم نفس – لساني، وآراء متقدمة في قضية اكتساب اللغة.

    3. المنطلقات الفكرية والمرتكزات الإبستمولوجية للنحو التوليدي التحويلي:
    ترتكز وتتأسس النظرية التوليدية على منطلقات الفكر الفلسفي العقلاني لكل من "ديكارت" و"هامبولت"، يقول تشومسكي: « إن النظرية اللغوية نظرية عقلانية حيث إنها تعنى باكتشاف الحقيقة العقلية الكامنة تحت السلوك الفعلي »(6).
    ويتجلى تأثر تشومسكي بالاتجاه العقلاني في كتابه "اللسانيات الديكارتية" (1966). في حين يشهد كتابه "اللغة والمسؤولية" 1979 على تأثره الواضح بأفكار "هامبولت".
    ولم يقتصر تأثر تشومسكي على الآراء العقلانية فقط، بل تعداه ليشمل الإفادة من آراء جماعة "البال الملكي" في اللغة والنحو، فتشومسكي نفسه يقول؛ إن نحوه مماثل لنحو جماعة الباب الملكي، وذلك في كتابه: «النحو العام والتفكير Grammaire générale et raisonne »

    4. الترسانة المفهومية للاتجاه التوليدي:
    تسعى كل نظرية جديدة إلى إثبات مكانتها ضمن الساحة المعرفية التي تشتغل فيها. وذلك باجتراح جملة من المفاهيم الجديدة التي تمنحها الفرادة والتميز من جهة، وتشكيل سند نظري تقوم عليه ويكسبها مقبولية علمية من جهة أخرى. وهذا ما فعلته النظرية التوليدية التي استطاع مؤسسها وضع جهاز مفهومي ضخم ومائز، يعد حصيلة تشرب لكل ما كان سائدا في مجال الدرس اللساني من اتجاهات ومدارس؛ ومن هذه المفاهيم نجد:
    4-1 مفهوم القدرة / الكفاية: Compétence:
    حدد العالم اللغوي "نيكولارويت" الكفاءة قائلا: « كل إنسان بالغ يتكلم لغة ما، قادر في كل لحظة أن يصدر بشكل تلقائي، أو أن يتلقى ويفهم عددا لا متناهيا من الجمل التركيبية لم يسبق له فقط أن نطق بمعظمها أو سمع بعضها. كل إنسان يتكلم يملك إذن بعض القدرات الخاصة جدا التي يمكن أن نسميها كفاءة »(7).
    من خلال هذا القول، يتبدى جليا أن الكفاية / القدرة هي معرفة المتكلم – المستمع المثالي الضمنية بلغته منذ الطفولة، والتي تسمح له بتوليد جمل جديدة لم يسبق له أن سمع بها، فتشومسكي ينعتها بأنها مفهوم مجرد، قائم في الذهن، إذ تعد « بمثابة نظام مجرد – مكون من قواعد تحدد الشكل والمعنى الأصلي لعدد غير متناه من الجمل الممكنة ».
    ويتجلى الهدف الرئيس من دراسة القدرة اللغوية في وضع منظومة من العناصر المترابطة (نسق) من القواعد تساعد على توليد واستنباط كل العبارات أو الجمل في اللغة. وهذا النسق من القواعد يقوم على ثلاث ركائز: المستوى التركيبي، المستوى الفونولوجي، ثم المستوى الدلالي.
    4-2 الإنجاز اللغوي / الأداء الكلامي Performance:
    يقصد بالأداء / الإنجاز: « مدى أمانة الترجمة الفعلية لتعليمات القواعد أثناء إنتاج الكلام المحقق أو فهم المسموع من الكلام »(8).
    إن الأداء الكلامي هو الاستعمال الفعلي للقدرة اللغوية، أي تحقيق الكفاءة اللغوية في جمل وأقوال يمكن ملاحظتها بكيفية مباشرة ملموسة، غير أن هذا الإنجاز يبقى نسبيا لاختلافه من شخص لآخر حسب اختلاف موضوع الكلام ومكانه، وثقافة الفرد، ومحيطه الاجتماعي والنفسي، كما يتأثر بعوامل خارجة عن نطاق اللغة؛ كالانتباه، التعب، الانفعال، والذاكرة.
    وبالإضافة إلى هذه المفاهيم، هناك مفاهيم أخرى تشكل مع ما سبق ذكره العمود الفقري الذي يرتكز عليه الاتجاه التوليدي وهي:
    *أ- البنية العميقة:
    تتحدد البنية العميقة بأنها التفسير الدلالي للجملة(9)، أي القواعد والبنى الأساسية التي يمكن تحويلها لتكون جملة اللغة، إذن فهي مجموع القواعد المخزنة في ذهن المتكلم / السامع المثالي، والمتمظهرة في شكل بنى سطحية متعددة؛ أي أنها إفراز للمعنى، ما دام دور النحو التوليدي، التحرك داخليا من العمق إلى السطح اعتمادا على القوانين المحققة لهذا التحول.
    وتتميز البنية العميقة بجملة خصائص هي كالتالي:
    - تمثل البنى الأولية المولدة في قواعد النحو عن طريق المستوى التركيبي والمستوى المعجمي.
    - إنها المجال الوحيد لإفراغ الملء المعجمي.
    - هي كل البنى الخاضعة للتأويل الدلالي.
    - هي البنى القابلة للتحويل إلى بنى سطحية سليمة(10).
    *ب- البنية السطحية:
    تعرف البنية السطحية بأنها ذلك التمثيل الصوتي للجملة(11)، أي أنها البنية الظاهرة للعيان عبر توالي الكلمات وانتظامها في سلك الجملة من حيث النطق. فهي التركيب اللفظي المشاهد الخاضع لتسلسل نحوي معين، يقول د. التهامي الراجي: « هي في اصطلاح التوليديين بنية الجملة كما هي منجزة فعلا، هي إذن البنية المرئية، البنية الملاحظية التي يمكن أن توصف مثلا بألفاظ "المكونات الأولية" »(12).
    نستشف مما سبق أن البنية السطحية تمثل الحالة النهائية والأخيرة في التاريخ التحويلي للتوليد.
    *ج- متكلم / مستمع مثالي:
    يقصد تشومسكي بالمتكلم / المستمع المثالي الشخص الذي تطابق كفايته اللغوية إنجازه الكلامي، إنه متكلم / مستمع لا يخطئ، لا يسهى، لا ينسى، وهو الممثل للعشيرة اللغوية ومختزلها، وهو شخص غير متحقق واقعيا، بل مفترض.
    *د- الكليات اللغوية:
    يعد هذا المفهوم، المرتكز الذي تستند عليه النظرية التوليدية، ذلك أن الهدف من الاتجاه التوليدي عامة – حسب تشومسكي – معرفة الآليات والعلاقات الجامعة والموحدة بين الأنحاء الخاصة والرابطة فيما بينها في إطار ما يسمى ب "النحو الكلي" الذي يفيد وجود علاقة أو علاقات وثوابت مشتركة بين جميع الأنحاء المختلفة، وقد قسم تشومسكي الكليات الكليات إلى: كليات مادية ديدنها معرفة السمات المشكلة المادة لوصف اللغات. وكليات شكلية تتعلق بأنماط وظواهر القواعد النحوية، وإمكانات ربطها حتى نتمكن من الوصول إلى الجملة النووية الحاوية للقاعدة النحوية المشتركة بين جميع الأنحاء.

    قفل القول:
    إذا كان هدف تشومسكي في البداية قد تركز مسعاه على توليد أكبر قدر من الجمل، من عدد محدد من القواعد عن طريق التحويل فإنه في الآونة الأخيرة ابتكر برنامجا جديدا أطلق عليه اسم "البرنامج الأدنوي" القصد منه الابتعاد والنأي عن تلك التحويلات المعقدة، والاهتمام بتشكيل جمل بسيطة مشتركة بين جميع الأنحاء، وهذا إن دل فإنما يدل على العمق الرؤيوي للتوليديين وعلى أن هذا الاتجاه دائم التطور لا يريم.
    ------------------
    هوامش الدراسة:
    يقول عبد القادر الفاسي الفهري: « قاد تشومسكي ثورة علمية فعلية نجم عنها بروز أنموذج جديد Newparadign للتفكير في اللغة، أفرز مجموعة من الإشكالات يجب أن يعتني بها اللغوي، وضمنها الاهتمام بالجهاز الداخلي الذهني للمتكلمين، عوض الاهتمام بسلوكهم الفعلي. ومع هذا الأنموذج، بزغ زمن التركيب، حين اتجه اللساني ليس فقط إلى ما هو موجود من السلاسل اللغوية السليمة، ولكن أيضا إلى ما يمكن أن يوجد. واتضح حينه أن إجراءات التقطيع (البنيوية) المستعملة في الأصوات وفي الصرف لم تعد ناجعة بما يكفي حتى تمتد إلى التركيب». اللسانيات واللغة العربية، ج 1، ص 65.
    1. حافظ إسماعيلي علوي وامحمد الملاخ: قضايا إبستيمولوجية في اللسانيات، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط 1، 2009، ص 96.
    انظر مصطفى غلفان: "في طبيعة اللسانيات العامة: أوليات منهجية"، مجلة فكر ونقد، (المغرب)، العدد 96، (2008)، ص 55.
    2. نفسه ص: 95.
    3. ص: 93.
    4. علال خوش: نظرية النحو التوليدي التحويلي وتدريس تراكيب الفصحى، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا.
    5. د. عبد القادر الفاسي الفهري: اللسانيات واللغة العربية (نماذج تركيبية ودلالية)، دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب، ط 4، 2000، ص 56.
    6. يحيى أحمد: "الاتجاه الوظيفي ودوره في تحليل اللغة"، عالم الفكر، (الكويت)، العدد 3، (1989)، ص: 69.
    7. Nicolas-Ruwet : introduction gramatica generativa, p. 17, 18 . نقلا عن د.التهامي الراجي الهاشمي: الثنائيات اللسانية، ص 87.
    8. محمد المدلاوي: "اللسانيات العربية المعاصرة ما بين البحث العلمي وتهافت التهافت"، مجلة دراسات أدبية ولسانية، (فاس)، العدد 3، (1986)، ص 73.
    9. انظر بريجيتيه بارتشت: مناهج علم اللغة من هرمان بول حتى ناعوم تشومسكي، تر: سعيد حسن بحيري، د ت، ص 278.
    10. عبد القادر الفاسي الفهري، المرجع المذكور، ج 1، ص: 68.
    11. المرجع السابق، ص 278.
    12. التهامي الراجي: المرجع مذكور، ص 111.
     
    أعجب بهذه المشاركة جمال
  3. الساهر

    الساهر مشرف مواقع الإدارة العامة

    نظرية النحو التوليدي التحويلي عند تشومسكي

    تمهيـــد:
    الفصل الأول

    المبحث الأول : حياة تشومسكي ومؤلفاته
    أ*-حياة تشومسكي العلمية

    ب- أهم مؤلفاتـــــه

    المبحث الثاني: نظرية النحو التوليدي التحويلي

    المبحث الثالث: المراحل التي مرت بها نظرية النحو التوليدي التحويلي


    الفصل الثاني

    المبحث الأول :مفهوم اللغة عند التوليديين

    المبحث الثاني: دراسة القواعد النحوية عند التوليديين وخطوات منهجهم

    المبحث الثالث : اللسانيات التوليدية والتوزيعية
    خــــــاتــمـة

    بسم الله الرحمان الرحيم



    تمهيـــد:



    الحمد لله على إتمام هذا العرض الذي قد يوجه الطالب إلى أهم العناصر التي تطرق إليها تشومسكي في نظريته التوليدية التحويلية في جزئها الأول( البنى التركيبية الأولى ) حيث مهدنا له بمقدمة وعقبنا عليها بعرض احتوى على مبحثين عرفنا من خلالهما على اللغوي تشومسكي والقواعد التي بنيت عليها البنى الأولى ثم عقبنا على هذين المبحثين بخاتمة هادفة معتمدين على الأمانة العلمية على مراجع المدارس اللسانية المعاصرة وهذا راجع لغموض الموضوع نوعا ما في باقي لمصادر أو المراجع وتشابه المعلومات فيها، وبذلنا جهدا معتبرا استفدنا من خلال تطلعنا على هذا المبحث الهام في الدراسة اللغوية اللسانية.



    الفصل الأول:
    المبحث الأول: حياة تشومسكي ومؤلفاته
    أ*-حياة تشومسكي العلمية:

    ولد أفرام نعوم تشومسكى فى السابع من ديسمبر عام 1928 م فى مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية لوالد كان يدعى ويليام تشومسكى «1897 - 1976م»، هذا الأخير الذى كان قد هاجر من روسيا عام 1913م بغية التهرب من تجنيده فى صفوف الجيش القيصرى، ليصبح فيما بعد العالم البارز فى مجال اللغويات، تلقى تشومسكى تعليمه فى إحدى مدارس ديوايت التى كانت تشتهر بتقدمها فى أساليب التعليم، كان تشومسكى لا يزال صبيا غضا فى فترة الكساد الاقتصادى الكبير الذى اجتاح الولايات المتحدة الأمريكية بين عامى «1929 - 1939م»، حيث تأثر عظيم التأثير بما شاهدة من عمليات القمع التى مارستها السلطات الحكومية لإفساد الإضرابات التى قام بها العمال، فضلا عن الامتهان واليأس والقنوط الذى كان العمال يتجرعونه وطالما أفضى بهم إلى التهور.
    تتلمذ تشومسكى فى جامعة بنسلفانيا على يد زيليج س هاريس أستاذ اللغويات، والذى كان من شأن آرائه التحررية التى كانت تصطبغ بصبغة شبه فوضوية أن تركت آثارها الواضحة على انتماءات تشومسكى السياسية، حيث نبتت أعمال تشومسكى الأولى فى حديقة هاريس.
    تزوج من اللغوية كارول سكاتز عام 1949م، وكتب رسالة تخرجه التى كانت تحمل عنوان «دراسة التركيب الصوتى للوحدات الصرفية فى اللغة العبرية الحديثة» والتى كانت بمثابة محاولة أولى لبناء قواعد النحو التوليدى، وحصل على درجة دكتوراه الفلسفة فى اللغويات عام 1955م ، وتم تعيينه أستاذا جامعيا بقسم اللغويات واللغات الحديثة الذى أصبح اسمه الآن قسم اللغويات والفلسفة، بمعهد ماستشوس للتكنولوجيا عام 1961م فى عام 1965م نظم لجنة من المواطنيين الأمريكيين العاديين وأعلنوا رفضهم دفع الضرائب احتجاجا على الحرب فى فيتنام. ثم نشر أول كتاب سياسى له يحمل عنوان «القوة الأمريكية والمانداريون الجدد» طبقت شهرة تشومسكى الآفاق كناقد راسخ العزم للظلم الاجتماعى فى كافة مظاهره وأشكاله، ولكى نوجز القول فإن فلسفته الاجتماعية تسلط الضوء على الآتى :
    1 - الكيفية التى تفرضها مؤسسات القوى تحكمها وسيطرتها على جماهير العامة
    2 - الكيفية التى باع بها المثقفون ضمائرهم وخانوا مجتمعاتهم المحلية وآثروا أن يكونوا أذنابا تخدم سلطة الدولة.
    وقد أحاطت الانتقادات الحادة التى وجهها تشومسكى ضد سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية على وجه الخصوص اللثام عن :-
    1 - العنف الضارب أطنابة فى كافة أنحاء العالم نتيجة لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية الموصومة بالإمبريالية.
    2 - مفهوم الذات الملفق والمختلق الذى روجت له الولايات المتحدة الأمريكية وأشاعته فى كل مكان وعلى كل لسان، باعتبارها دولة حسنة النية و «خيرة بالأساس».
    3 - تزييف الواقع والتلاعب بمجرياته نتيجة لذلك المفهوم المعيب الذى تدعى الولايات المتحدة الأمريكية بموجبه الصلاح لنفسها، وبأنها دائما أقوم أخلاقا من أية دولة أخرى

    ب- أهم مؤلفاتـــــه:
    جسّد تشومسكي أفكاره وأبحاثه اللغوية في مقالات وكتب نشرها في أزمنة متقاربة ولقد أثرت وأفادت اللسانيين في مجالات عدة، نذكر منها:
    ·البنى التركيبية أو التراكيب النحوية 1957.
    ·البنية المنطقية للنظرية اللسانية1975 la structure logique de la théorie linguistique.
    ·ملامح النظرية التركيبية 1965 l'aspect de la structure
    syntaxique

    ·اللساتيات الديكارتية 1966 La linguistique Cartésienne
    ·الأنماط الصوتية في اللغة الانجليزية les types phonologiques de la langue Anglaise 1968
    ·اللغة والفكر la langue et la pensée 1968
    ·مسائل المعرفة والحرية1971 problème de la connaissance et de la liberté
    ·دراسات الدلالة في القواعد 1972 Etude sémantique de la grammaire générative
    · المعرفة اللغوية:طبيعتها، أصولها واستخدامها la connaissance linguistique: les origines,et les fonctions.

    المبحث الثاني : المراحل التي مرت بها نظرية النحو التوليدي التحويلي:

    لقد احدث تشومسكي ثورة عالمية في اللسانيات المعاصرة بحديثه عن " النظرية اللسانية التي يجب ان تحلل مقدرة المتكلم على ان ينتج الجمل التي لم يسمعها من قبل وعلى ان يتفهمها. وذلك انطلاقا من قواعد ضمنية تمكنه من توليد الجمل وتحويلها توليدا وتحويلا لا متناهيين .
    - وقد مرت هذه اللسانيات الجديدة ( التوليدية التحويلية) ( Génératives et Transformationnelles)بعدة مراحل يمكن تلخيصها فيما يلي :
    أ-مرحلة المباني التركيبية سنة 1957
    ب-مرحلة وجوه النظرية النحوية سنة 1965
    ج-مرحلة الاعمال التي أنجزها باحثون ذهنيون امثال كاتز Katz و فودور Fodor، والتي تندرج ضمن " علم الدلالة التوليدي" وإذا كان سوسور الأب الروحي للبنيوية، فإن تشومسكي يعد الأب الروحي للتوليدية.
    د – مرحلة الاعمال والنماذج الحالية لتشومسكي والتي تميزت بمراجعة هذه الذات العارفة واعادة النظر في نماذجه الاولى ؛ وقد لمينا شخصيا نزوعه الى التصالح مع البنيوية والاتجاهات التكوينية والتجريبية من خلال المناقشات التي جمعت لسانيين ذوي شهرة عالمية ، وعلى راسهم جان بياجيه .كما ان امكانية الحديث عن الاثر المنهجي لغاليلي على نظرية تشومسكي امكانية واردة .

    الفصل الثاني:

    المبحث الأول:مفهوم اللغة عند التوليديين :

    ترى المدرسة التوليدية ان اللغة هي مجموعة من الجمل . وهذه الجمل تصنف الى. فئة الجمل المنفية وفئة الجمل المبنية للمجهول وفئة الجمل المثبتة. ويرتبط بعض هذه الجمل بالبعض الآخر. يقول تشومسكي .
    << من الآن فصاعدا نعتبر ان اللغة كناية عن مجموعة ( متناهية وغير متناهية) من الجمل، كل جملة منها طولها محدود ومكونة من مجموعة متناهية من العناصر >> . فاللغة في رأيه " ظاهرة بالغة التعقيد، ودراستها تقتضي بناء نظرية بامكانها أن تفسر القضايا اللغوية. ان نقطة الاختلاف بين تشومسكي وسوسور هي ان الأول يحلل اللغة انطلاقا من مسلمة انها وسيلة للتواصل او التعبير بينما يحللها ويفسرها الثاني انطلاقا من مسلمة أنها مجموعة جمل كل جملة منها تحتوي على شكل صوتي وعلى تفسير دلالي ذاتي محايث لها. فالأول يتحدث عن اللغة باعتبارها شكلا قبل كل شيء بينما يعطي الثاني الأسبقية للجوهر والبنية العميقة دون ان يهمل البنية السطحية ، أي المعنى الظاهر للغة.فالمهم في اللغة حسب المنهج العقلي ليس هو جانبها المادي البنيوي ولكنه قدرتها على التوليد والانتاج الجملي. فقد تأثر التوليديون كثيرا بديكارت وغيره من العقلانيين وتبنوا مقولات الابداع اللغوي والسلوك الداخلي وما يعتمل من قدرة وطاقات داخل الدماغ او العقل البشري29. لقد الف تشومسكي كتاب : اللسانيات الديكارتية عام 1966 ، و فيه تاثر كثيرا بديكارت وفون همبولت Von Homboldt اللذين يظهر مفهوم الكفاية عندهما بوضوح .
    ان اللغة عملية توليدية فعالة في الذهن البشري قادرة على الخلق والابداع من خلال قانون نحوي عام يشمل كافة اللغات البشرية.هذه العملية اللغوية تتكون من 3 عناصر بنيوية هي :
    أ) العنصر النحوي : ودوره مزدوج : تنظيمي حيث ينتج معان نحوية منظمة ؛وتوليدي لانه يولد عددا من الجمل النحوية.
    مثال : << يشرح الاستاذ الدرس، اليوم، بطريقة جيدة .>>
    التنظيم : حيث لا نقول ك<< شرح الدرس اليوم الأستاذ بطريقة جيدة >>
    التوليد :<< اليوم، يشرح الاستاذ الدرس بطريقة جيدة >> << يشرح الاستاذ اليوم الدرس بطريقة جيدة >> << الدرس يشرح من قبل الاستاذ بطريقة جيدة >> << ان شرح الاستاذ للدرس شرح جيد اليوم.>>
    << الدرس شرحه الاستاذ >>
    ب)العنصر التحويلي : أي قدرتنا على تحويل الجملة الواحدة الى جملة شرطية او تعجبية او استفهامية او منطقية. مثلا : << شرح الاستاذ الدرس>> . << هل شرح الاستاذ الدرس ؟>> << اذا شرح الاستاذ الدرس فان التلاميذ يفهمون>> ...ونجد عند تشومسكي ما يسميه بالارتباط البنياني الذي يرتبط به اجراء التحويل مثلا : أ) << قرأ الرجل الكتاب>> نحولها الى ب) << الكتاب قرأه الرجل >>.فالجملة الثانية حولت من الجملة الاولى بواسطة اجراء تحويل نقل الركن الاسمي الى موقع الابتداء .وهذا التحويل يتناول الركن الاسمي الذي يقع على يسار الفعل فينقله الى موضع الابتداء تاركا ضميرا عائدا اليه في الموضع الذي كان يشغله الركن الاسمي .
    ج) العنصر التركيبي : وظيفته هي انتاج جمل سليمة سواء أكانت منطوقة أم مكتوبة.
    ويقدم مازن الوعر مثالا لصياغة رياضية وعملية توليدية للجملة التالية.
    يمكن ان يكون الكتاب قد كتب من قبل تشومسكي



    المبحث الثاني: دراسة القواعد النحوية عند التوليديين وخطوات منهجهم

    قلنا بان البنيويين اهتموا بالجانب التواصلي في دراسة اللغة. الا أن التوليديين يركزون على البنية العميقة والجانب الضمني، والملاحظ أن تشومسكي مثلا يتحدث عن العمل والعامل والمعمول والرتبة أي عن الفاعل والمفعول والنظام ، ويقول بأن الجملة يمكن ان تكون سليمة من حيث النحوية او القواعدية grammaticalité التي تصف ، بطريقة ملائمة ،وضع ما هو مقبول في نحو ما وما هو غير مقبول . وهي غير صحيحة من الناحية المنطقية المقبوليةacceptabilité . ونلاحظ ان تشومسكي ، في نموذجه الاول 1957، يعطى الأسبقية للنحوية و يقرنها بالكفاية اللسانية على حساب المقبولية التي يقرنها بالانجاز ، لكنه عاد في نموذج 1965 ونماذج تالية فاهتم أيضا بالمقبولية.
    يرى تشومسكي انه لا بد من نظرية لممارسة التحليل اللساني. وهذه النظرية تتكون من النحو التوليدي التحويلي الكلي اذ يعتبر النظرية النحوية نظرية علمية يمكن تطبيقها على جميع اللغات الطبيعية. فالنحو اذن " نظام من القواعد والمبادئ " والمبادئ المحددة لخصائص الجمل الشكلية والدلالية حيث يستعمل في تفاعله مع مجموعة من الميكانيزمات الذهنية من اجل فهم لغة ما والتحدث بها (...) فالنحو العالمي نظام من المبادئ والقواعد والشروط، أي انه عبارة عن عناصر وخصائص مشتركة بالنسبة لسائر لغات العالم.
    و نظرا لتأثر تشومسكي بالنظريات الفيزيائية ( غاليلي) خاصة والعلمية عامة ،فإنه يقيم تشابها بين خطوات النظرية الفيزيائية وخطوات النظرية النحوية . ففي الفيزياء تبنى النظرية على ما يلي :
    - عدد من الملاحظات سواء أكانت طبيعية ام موضوعية أم تتبعية أم تلقائية
    - الربط والتركيب بين هذه الظاهرة الملحوظة.
    - التنبؤ بظاهرة جديدة.
    ويرى انه بإمكان الباحث اللساني ان يطبق في حقله هذه الخطوات كما يلي :
    - ملاحظة عدد محدد من النطق الصوتي
    - تمييز ما هو نحوي وما هو غير نحوي
    - شرح الظاهرة اللغوية بطريقة مبسطة
    ولتوضيح هذه الخطوات نقول بأن الباحث يميز بين ما هو نحوي وما هو غي نحوي انطلاقا من القانون العام الذي يحدد الطرائق السليمة لبنية الوحدات اللغوية وصياغتها. وهذا لا يعني ان تشومسكي يتجاهل الدور الذي تلعبه الدلالة والتداول.
    خطوات المنهج التوليدي:
    تنطلق اللسانيات التوليدية من مسلمة وهي ان تفسير الظاهرة اللغوية تفسيرا لسانيا يقتضي الانطلاق من نظرية مبنية بطريقة علمية ثم الانتقال الى الواقع الذي نقوم بشرحه وتفسيره وفق مبادئ هذه النظرية، خلافا للمنهج البنيوي المادي السلوكي الذي ينطلق من الواقع نحو النظرية كما أسلفنا . فلكي يحلل الباحث اللساني الظاهرة اللغوية فإنه ملزم – كما يرى تشومسكي – بالاقتراب من المتكلم واستكناه قدرته الكلامية التي تشتغل داخل الذهن البشري.


    * وضع فرضية لغوية :
    انطلاقا من البحث العلمي في مجال اللسانيات ، وانطلاقا من نظرية علمية واضحة المعالم والمحددات والعناصر حيث يقوم الباحث بوضع فرضية البحث والتحليل .
    * تمحيص الفرضية :
    في خطوة ثانية يقوم الباحث بتطبيق الفرضية اللغوية على بعض المواد اللغوية. لأنه ينطلق دائما من العام الى الخاص ومن الكل إلى الجزء خلافا لمن يعتمد المنهج الاستقرائي.
    *إعادة صياغة الفرضية اللغوية :
    عندما تدعو الحاجة إلى إعادة النظر في الفرضيات من اجل جعلها اكثر مطابقة وملاءمة للأهداف المتوخاة.
    * تثبيت الفرضية اللغوية :
    عندما نتأكد من ملاءمة الفرضية للمواد اللغوية نطرحها للتخصيص ونسحبها على جميع الحالات والظواهر اللغوية .

    وفي هذا الإطار فإن تشومسكي يطرح النحو الكلي (grammaire universelle) ويرى ان الرتبة فاعل – فعل – ( مفعول) التي نجدها في اللغة الانجليزية صالحة للتطبيق على جميع لغات العالم الطبيعية.وينطلق في كلامه هذا من فرضية اننا ننحدر من نوع واحد،وبالتالي يوجد بيننا جميعا اتحاد وليس تغيرات.وهذا ما يشبه الحالة البدائية السابقة عن التجربة. ونفس الاتجاه والمنهج يطبقه الفاسي الفهري على اللغة العربية اذ يقول بأنها تملك رتبتين هما : أ ) فعل-فاعل-(مفعول) مثال:<< يشرح الاستاذ الدرس >>؛ ب) << الاستاذ يشرح الدرس>> او << الدرس شرحه الاستاذ>> او << الاستاذ طلبت منه شرح الدرس>> او<< المجتهد نوه به الاستاذ>> . وهناك من يرى ان اللغة العربية لا تملك الا رتبة واحدة هي : فعل – فاعل – ( مفعول) انها رتبة اصلية سائدة تحكم كل عربية تليدة .و في حالة رتبة ثانية مثل : فاعل – فعل – ( مفعول) ،او مفعول – فعل – ضمير عائد على المفعول – فاعل : الدرس شرحه الاستاذ فان هذا الفاعل " لا يتقدم ولا يصعد من داخل المركب الفعلي الى مكان متقدم على الفعل في مخصص التطابق "، واذا وجدنا اسما متقدما في الجملة الثانية : الدرس يشرحه الاستاذ ؛ كما نجد في القرآن الكريم رهبانية ابتدعوها – في حالة رتبة ثانية - ، يحتل الاسم المتقدم في المركب الفعلي موقع الموضع) ( Tوليس موقع الفاعل، مثله في ذلك مثل الاسم المتقدم . وهذا ما قال به الفاسي الفهري (1981 و 1985). ايضا نجد نفس الاختلاف بين مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة من حيث اعتبار الاسم المتقدم مبتدءا او فاعل . ولكن اذا كانت الجملة خالية من مفعول به وتقدم المركب الاسمي ،فان المتقدم يعد فاعلا لا موضعا في راي الفاسي 1993 ،وراي مدرسة الكوفة الذين يجيزون تقديم الفاعل خلافا لمدرسة البصرة .


    المبحث الثالث: اللسانيات التوليديةوالتوزيعية
    إذا كان هاريس قد سار باللسانيات التوزيعية إلى أقصى مداها فإن تلميذه ناعوم شومسكي بعد أن اهتم بصورنة (بالمعنى المنطقي الرياضي) المفاهيم الأساسية في النظرية التوزيعية قد طرح بعد ذلك مفهوما جديدا عرف بالتوليدية في اللسانيات. وهو مفهوم يتعارض مع أسس التوزيعية وسيطر على ميدان الدراسات اللسانية الأمريكية وغيرها ما بين 1960 و1985.
    ولم يحتفظ ناعوم شومسكي من التوزيعية إلا بخاصتها التوضيحية المُفصِحة. فالتوزيعية هي مفصحة أي أنها لا تستعمل نتائج وصفها للغات ولا تستعمل أي مفهوم أساسي غير معرف وأن أية فكرة يتوجب أن تكون معرفة مسبقا في اللغة المدروسة والموصوفة أو في اللسان عموما؛ وفكرة المحيط هي محورية عنده (أية وحدة في ملفوظ محاطة بوحدات ما) و هي مفهومة لمن لا تجربة كلامية شخصية (وهذا كافتراض عبث.
    وهنا يكمن حسب شومسكي تفوق التوزيعية على باقي النحويات التقليدية وأيضا على اللسانيات الوظيفية والتي اهتمت بمقولات الترابط (سلسلة مرتبطة بأخرى) أو التعارض بين مسند وخبر(سلسلة كلم ما تمثل قصد الحديث وأخرى ما نريد إبلاغه) وفهمها جزء من ملكة اللغة وبالتالي وخوفا من تحصيل الحاصل لا يمكن أن تتخذ منطلقا لتفسير هذه الملكة.
    و شومسكي يرى أن التوزيعية جريا وراء الإفصاح تقدم تنازلات يستحيل تقبلها.
    فأولا تحصر التوزيعية بشكل ضيق مجال موضوعها لأن اللغة أوسع وتختلف عن المتن.
    وحيث أن المتن تعريفا هو مجموعة محصورة من الملفوظات، إن أن كل لغة تمكن من عدد غير محصور من الملفوظات: لأنه لا حد لعدد "التعابير" الممكن تضمينها في جملة عربية مثلا، إذ يمكن انطلاقا من أي ملفوظ عربي إنشاء ملفوظ آخر تام النحوية والتكوين بزيادة موصولة مثلا.
    وبحكم منهجيتها فإن التوزيعية تتجاهل هذه القدرة الغير محصورة الموجودة في كل لغة ( وهو ما يسميه شومسكي بالابتكار الذي تمنحه اللغة للناطقين بها ويمكنهم من بناء وإنشاء ملفوظات جديدة عوض الاكتفاء بالاختيار من بين رصيد جملي سابق الوجود.
    وأزيد من ذلك فاللغة ليست مجموعة ملفوظات محدودة أم لا ولكنها علم بهذه الملفوظات ذاتها. فلا يمكن الحديث عن معرفة شخص بلغة ما إذا لم يكن قادرا على التفريق بين الملفوظات الغامضة الملتبسة والملفوظات أحادية التفسير وإذا كان لا يرى بأن ملفوظات لها نفس البناء التركيبي وبأن الأخرى مختلفة التركيب أي أنه لا يفطن للفرق والتشابه بين التراكيب. ولكن التوزيعيين يجردون اغتباطا الناطقين من هذا العلم بلغتهم الخاصة، ويكتفون بوصف طريقة تآلف الوحدات فيما بينها داخل الملفوظات.
    وحتى لو تقبلنا اختزال المجال الموصوف المدروس (إذ وصف الكلمحال فهناك تنازل وتجاهل آخر للتوزيعيين ينتقده شومسكي وهو الاكتفاء بالوصف دون التفسير.
    وسيرا على هذه المنهجية يكون تلامذة بلومفيلد أوفياء لمنهج تجريبي يرى أن العلم يجب أن يكتفي بوصف الظواهر وترتيبها وبذلك تختزل مهمة الباحث إلى جور التصنيف، وهذا بالذات هو هم التوزيعية الأساسي. حيث يغدو النحو ترتيبا لا غير لأقسام الكلم، صواتم وصياغم وكلمات...) وحيث أن القصد هو جمع المتشابه من الأقسام والأجناس المتوزعة فإنه يمكن، كما قال هاريس، من أن تصبح التوزيعية نوعا من الوصفية الكتلية لمتن ومن خلال هذا الترتيب يصبح ممكنا إعادة صياغة كل ملفوظات المتن. وعلى العكس فبالنسبة لشومسكي فإن هدف أي علم متطور ومنها اللسانيات يتجاوز حدود الوصف والترتيب إلى تقديم أطروحات مفسرة.
    ويجب أن لا تكتفي اللسانيات بتجديد ما هي الحالات والكتل الممكنة والمحالة والمستحيلة والملتبسة أو المتقاربة بل يجب ربط هذه الجزئيات بما هو أعم أي لغات البشرية وطبيعة قدرة البشر اللغوية. ولذلك طرح شومسكي تعريفا جديدا للنحو وللسانيات يجمع بين الشمولية والتفسيرية.
    وبالنسبة لشومسكي فإن وصف التركيب:النحو التوليدي) للغة ما هو إلا مجموعة القواعد والتعليمات والتي بتطبيقها الآلي ينتج ملفوظ مقبول، أي نحوي، في هذه اللغة. وآلية هذه القواعد النحوية وتواترها تضمن وضوحها وفصاحتها وشموليتها وأي نحو ما هو إلا نظام شكلي رياضي ويكفي معرفة كيفية التعامل معه وبعناصره بكيفية تحددها القواعد(كالتعويض والحذف والزيادة.
    وحيث أن هذه العمليات لا تتطلب سابق معرفة باللسانيات فإنه يمكن اعتبار النحو كوصف شامل للغة ما. ولكي يكون النحو بهذه الشمولية يجب أن يساير شرطين: قدرة هذا النحو على توليد كل ملفوظات لغة لا غيرها بلا استثناء. هذا الشرط هو شرط المعاينة وهي بالنسبة لشومسكي ضعيفة التأثير لأن أية لغة يمكن أن تتحمل أزيد من نحو وحيد، زد لذلك أن كثيرا من الملفوظات والتراكيب يصعب تحديد مقبوليتها أو استحالتها بوضوح، وعلينا في هذه الحالة القبول في ذات الوقت بالنحو الذي يقبلها والنحو الذي يرفضها. والشرط الآخر هو "الملائمة القوية" وهي ترتبط بعلم الناطق الحسي على تمييز ملفوظات اللغة. ويجب أن تكون هذه المعرفة معممة وآلية. فبالنسبة للملفوظات الملتبسة يجب الرجوع إلى أسباب تولد هذا اللبس وبالضرورة فإن هناك علة ونفس الشيء صحيح للملفوظات المتقاربة.
    و بتبني شرط الملائمة المطلقة يبتعد شومسكي عن التوزيعية ومحاولتها وضع طرق آلية لاكتشاف النحو انطلاقا من المتن فإحساس الناطق لا يمكن تأليله مباشرة واستكشاف ذلك هو من عمل النحوي وقد يؤلل إنتاج الجمل بعد هذا الاكتشاف الأولي.
    ورغم أن النحو التوليدي الشومسكي آلية مجردة فإن شومسكي لم يقل بأن الناطق يحاكي هذه الآلية حين يتلفظ في حياته العادية إذ أن نمط شومسكي ليس "نمط إنتاج" وهو ليس بنمط نفسي فهو لا يتعدى كونه وسيلة رياضية لمقاربة قدرات الناطق.
    وفي الحقيقة فبعمومية توليدية شومسكي وخصوصيتها الطبيعية لا يمكن التهرب من ربط الوسائل التوليدية بالآليات الذهنية وبالتالي إقحام التفسير النفسي.
    إن الملائمة المطلقة تترك جانبا حل مسألة تعدد النحو وتترك خيار النحو مفتوحا إذ أن هذه المسألة هي من شأن اللسانيات. ويمكننا ترتيب أصناف النحو حسب نوعية الآليات المستعملة لتوليد الجمل أي حسب شكل القواعد. ويسمى شومسكي النظرية اللسانية كل نمط نحوي ممكن أي ذلك القالب الذي يشكل النحو. ولو تمكنا من تحديد واختيار نظرية معينة سنحصر بالتالي عدد أصناف النحو الممكنة.


    خــــــاتــمـة :

    لقد حاولنا في هذه الدراسة ان نقارن بين مدرستين من حيث المنهج المعتمد في الدراسة اللغوية؛ وحصرنا المحاولة في اللسانيات المعاصرة . وفي نفس السياق نسجل الملاحظات التالية :
    -إن الدراسات اللسانيات جد متشبعة ، وبالتالي يكون تصنيفنا لها الى بنيوية وتوزيعية ووظيفية وتوليدية تصنيفا إجرائيا نسعى من ورائه الى جعل المتلقي العادي يكتسب بعض المعارف في تخصص يتميز بقدرته الاختراقية ، فالنظريات اللسانية تفرض نفسها حاليا على جميع الباحثين وفي كل التخصصات والعلوم.
    -إن الثنائية الحدية : استقراء / استنباط ، مادي/ عقلي، ذاتي/ موضوعي وخاص/ عام تعتبر في رأينا ثنائية زائفة. وذلك لأنه لا وجود لمعايير ثابتة ومحددة تمكن من رسم حدود انطولوجية وابستمولوجية بين الذات والموضوع فيما يخص انتاج المعرفة وبحث الظواهر والمواد اللغوية . وهذا ما نستشفه من كلام تشومسكي عندما اجاب عن سؤال حول المنهج قائلا : " إنه ليس لي مناهج اطلاقا، ومنهج البحث الوحيد الذي اتبعه هو أن أبذل طاقتي في النظر في مشكلة صعبة معينة ، وان احاول أن أجد بعض الأفكار عما يمكن ان يكون تفسيرا لها "
    -إن ممارسة النقد على العديد من نظريات العلم المعاصرة. تكشف زيف الثنائية استقراء/ استنباط،وذلك لعدم امكانية فك التداخل الحاصل بين الذات العارفة الباحثة والمادة اللغوية موضوع المعرفة. ولذلك نجد تشومسكي يقول بالقدح الذي تمارسه التجربة على المعرفة الفطرية.كما أنه يوظف مناهج الفيزياء الغاليلية.وعموما ، هذه مجرد محاولة بيداغوجية لكنها مؤسسة على مرجعية.



    قائمة المراجع:
    1- د . نعمان بوقرة،المدارس اللسانية المعاصرة، مكتبة الآداب، القاهرة ،2003. الصفحة 129 وما يليها.
    2- فخري، ماجد، ارسطو، المعلم الأول، ص 145-155 ، الأهلية للنشر والتوزيع ، بيروت ، 1977 ، عدد الصفحات 182.
    3- العربي اسليماني، مناهج البحث في الجغرافيا ، مقاربة ابستمولوجية ، مركز تكوين المفتشين ، الرباط ، 1997.
    4- الانترنيت ، محرك البحث google)).



    المصدر : الأستاذ فتحي خشايمية - بتصرف-
     
    أعجب بهذه المشاركة جمال